free web hosting | free hosting | Business Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

Farzat11@hotmail.com

 

حين تغفو الطرقات

شجيرة عتاب

أوراق الحكاية

صوت يحمل الأصحاب

شفيف كقبيل الصبح

مقامات الزاهد

المدى قصيدة

لأنه السراج

أغنية الشتاء

أربعة حروف

الأمكنة

رواحل

كنا نسميك

بادئة الندى

حين انتظرتك ذات غربة

في لحظة من الزمان

إلى أن تعود

حفنة شوق

زفاف نجمة

احتفاء بالآتي

رسو بعد الرحيل

 

حوارية مع ضليل الروح

جموح الأفراس

 

سيل ظباء

 

مواسم الفَراش

 

حروف

 

مرجان الحكايا

 

فراشات وزنابق

أرواق الانتظار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حين تغفو الطرقات

نادل الليل يرمي

جبين الزجاج بماء لتعب

يمسح ما ظل في فناجين السهارى

من ثرثرات الكلام

تنطفىء الأكف بالمصافحات الناعسة

يلوح الوقت مودعا

سلام الغياب عليكم

وعليكم غياب السلام

تذوي المقاعد إذ يناغمها الهوى

مستوحشاً في السهد والدنيا غدت

همسة غافية في شفة المنام

***

في الليل .. تؤوب المدائن من سفر النهار .. ترحل خطوات العابرين عن أرصفة الضجيج.. يعرض المدى أنجماً ليست تباع.. يعلقها جيْد المساء عقداً..

ريثما تأتي عرائس الياقوت .. سيتباهى الليل بأنجمه..

وحين تحل العرائس ضفائر حنتها .. تذوي عناقيد النجوم خجولة .. اذ الضوء في عينيك يستجلي تفاصيل الظلام .. يا شاهق الجيد .. مُرَّ بي قبيل اكتمال الشمس على سرير المدى سيرحل الصحب بعد اغفاءتين من الذكرى وسيتركون فوق طاولة المقهى قصائدهم ومفاتيح بيوت مهجورة ما زارها الأصدقاء منذ دهرين..

جدرانٌ شَرخ الوقت حجارة صدرها .. فاستوطنتها عصافير قبيل الضوء..

لوحة في الجدار العتيق ألوانها هاجرت كشحوب أول الخريف..

ما ظل مورقاً في هذه الدنيا سواك.. كأنما الماء في كفيك يومي لشجيرات حزني أن تدنو من البعيد.. البعيد.. فآتيك يسبقني الظمأ يتقاطر ماؤك خجولاً كحلم عذراء ما مسها الوجد..

فنهيم حين تنطفئ المقاهي.. وترحل الدنيا إلى الهجيع الأخير من الليل..

فنجوب أزقة الجنون قنديلان يوميان للعشاق.. أن الكون نيام..


شفيف كقبيل الصبح

مُرِّيني مثل مشاوير العشاق

ضمي أجنحتي فوق الكتف المرجاني

مريني وانهمري في أجفاني لؤلؤةً..

ألقاك ترابا من وطني

فنجاناً في المقهى الخشبي

لافتة..

وستائر من مرمر

وشوارع أفراح

ألقاك هديراً يحملني

لجنون الشعر المتغطرس

قولي أغنية يا امرأة

ودعي اللحن ينام الليلة في روحي

كم أنت فراشة ضوء تشغلني

في الحلم فأغفو كل الدهر وبعد الدهر فيوقظني

تغريد شفاه الأوتار..

***

كم أنت شفيف مثل الأفق قبيل الصبح.. تعال نرتاد أساطير الشوق نكتب ذكرانا فوق جدران القلب نعدو أطفالاً.. يدنو نهارك من حقل روحي فتنمو وريقات العمر من جديد..

همسة دفء ترسلها مولعة بالوجد فأحنو على سريرة غدك، أضيء بكهوفها شموع الميلاد.

فجأة تتجمع الفراشات حول هاتيك الشموع.. فتمد أكفك لتلمسها.. تدنو فراشة من ضوئك مفعمة بلون الأعياد تغتاض الفراشات وتغسل ألوان أجنحتها فلقد كانت واحدة منها فقط تسرق من الكون كل ألوانه..

 


أغنية الشتاء

لماذا كلما انقشعت

غيوم الأخريات

وحدك تمطرين

قطرةً من ذكرياتْ.. قطرةً من ياسمين

كوني كأغنية الشتاء

تمسح الهمَّ عن يباب الحقول

ظلي هكذا غيمةً

شامخة السحاب

لا يذوي غمامها

وإن تعاقبت الفصول

***

المدى الآن يشبه جناح عصفور باغته المطر ترتعش الأشجار

من يدفئ أغصان غربتها؟.. من يرسم لها قميصها من ذكريات الربيع؟

النوافذ في الشتاء تحلم بأصابع حمامة تكتب فوقها عشاً..

الطرقات تبلل أقدام صبيةٍ تريد أن تعبر إلى الطرف الآخر من الأمان

عصافير الصبح تلوذ بأفواه الجدران العتيقة .. تخبئ ريشها عن برد الأيام

وفي لوحة الماء هذه وحدك تمرين مظلة شوق ينسجها الحنين.

تجللين العمر من ماء الملح تزيحين الغيوم تمدين سحابات عينيك في الفضاء البعيد.. تلامس قطرات مائك بيادر اللوز فتجري في أوردة الجداول عناقيد النجوم.

وحدك في الزمن الممطر، موقدُ جمرٍ وحكايا أم تحنو على صغيرها، تحكي له عين سيدة الثلج وعن بجعة حوّلها ساحر الخرافات إلى صبية مورقة العينين كلما جاء المساء ارتدت ريشها وصارت طائراً ملائكي الجناحين وفي النهار كانت تعود أنثى لخطواتها وقع الياقوت في أساور العذارى..

استفاق الساحر ذات دهر، متأخراً نسي سحره في كهف عتيق فظلت البجعة صبيةً بملامح طائرٍ كلما هزه الحنين لجناحيه مد ذراعيه ولامس الغمام لينهمر المطر.

 


كنا نسميك الحكاية

كن دافئاً

حين يشتد برد الروح

حين تذوي زنبقات العشق وهماً من خريف كن دافئاً فلا موج له شموخ البحر لا لؤلؤ له لون الحقيقة

لا عروس بحر ترتدي تاج البهاء

إنما هو مركبٌ دون سارية يسير

يحني شراع الروح حين تشتد الرياح

***

كنا نسميك الحكاية وكنا نرتاد صومعة روحك مثلما يرتاد الناسك ضوء الفجر الأول

حسبناك ولدت من المحار وكما سرابٌ عتيقٌ لمحنا جموح الخيل تنبض في صدرك

دنونا ذات عشق من ذاك البحر أخطأ البحر قصيدته لم يجد وزنها على قافية الحقيقة

وكنا نسميك وحدك لاثاني لحضور عشقك

يا موغلاً في زمن البرد خلعت الدفء عن كتفيك، مسحت عن جبينك وَهْم العطر.. آلمتنا حين أدركت القصائد أن ملهمها له بريق من ضباب

ماذا نخبر القصائد هذا المساء وماذا نحكي للساهرين على بوابات الليل، يترقبون الأحرف الموكولة بالسحر

سيمر الساهرون لن يجدوك على وريقات العشق.

وحده الحزن سيمر صامتاً يبدد أمسياتنا التي كانت ذات عشق توقد شموعها لهدبيك

ترى هل خدعنا الموج حين قال تلك عرائس البحر؟.. ماذا نخبر دواوين الشعر حين تأتي فلا تجدك بين صفحاتها قصيدة.

 


إلى أن تعود

وحدك

 لا مركب يأخذ عشقك

فاتتك الريح بلا بوصلة

من يطرق أبواب الصمت بأغنية الغرباء؟

من يولد مثل لوحة عتيقة في جدار الانتظار

يتساقط الوقت ثانية ثانية

سيمرون قطرة ماء في الظمأ

سيقرأونك وحدك فاكتب روحك قصيدة

يمسحون حزن المساء عن جبينك

وكنت وحدك

حين مر الزمان قبل الزمان

***

تأخرتَ.. ثمة أحزان تستوطن مدن القلب أتفرس لغة العائدين من غربة المدن لعلي أراك حرفاً في العيون..

أخبرني الوقت أنك تحولت طائراً وهل كنت من قبل إلا عصفوراً يلتقط شغاف القلب

تأخرت أوهمني الصمت أن ضفيرتك المغسولة بماء الورد جاءت في غيابي طرقت أبواب وحشتي لماذا إذن لم تترك شريطتك الوردية معلقة على نافذة الغياب؟

الآن يسافر الوقت، يحمل أوراقه ويمضي من كل صوب يعدو ماء الحنين بأوردة الذكرى يستفيق النبض ها هنا تركت مقعدك بلا دفء وهناك في الركن المورق بالأوراق، ألفيت قصائدك، ومازلت منذ تركتها ناعسة لا أحرف تفتح أجفان نقاطها على من يقرأها

هذا الفيروز الذي نما على قميصك أراه الآن على مرآتك يسامر كحلاً عتيقاً ترى بماذا يتحدثان؟! يقول الفيروز: "غجري أيها المظلم الظالم تمتد كسعف النخيل على الهدبين".

تأخرتَ من يوقد قنديل همسك في الجدران سيجعلها الوقت لوحة.. أو أنت تتأخر فخبئ شمس عينيك عن كون أيامنا حتى لا يقرأ النهار دموع انتظارنا..

 


المدى قصيدة

زنبقةٌ.. زنبقة يسير القلب إليك، ويومي إلى مسائك من البعيد .. البعيد

ويهدد جماح خيول قدومك.. يشير إليها فتأتي طائعة محملةً بأعراس الغجر، موشومة بالياقوت

الان كنت بيننا يمامة سمراء ارتشفتُ حضورك غياباً،والصبايا من حولي يمزقن زهور الغيرة..

كان صبحك لؤلؤة تتهادى من محارة ثغرك وبقايا الليل تلملم عتمتها حين تبسمين.

كتب العاشق أغانيه على صفحات الدفء .. فمددت أناملك سطراً وكتاباً..

قرأتك جدولاً من طفولةٍ وياسمين تمنعت أحرفكِ

مصابة بالأمية عيون الخلق حين تتلعثم أحداقهم أمام دفاتر عينيك.

***

المدى جناحٌ من فضة.. تعالي نُحلق فيه بلا أجنحة فالروح تحملنا كطيور المساء..!

الروح أجنحة الأنقياء .. تأخذنا بأبعد مما تقوى الأجنحة  حين يسكنها النقاء..

المدى صفحة شفيفة تعالي ندون فوقها أحلامنا الطفلة دون أن نخدش عفتها نكتب: غداً يزرعنا المطر في سحابه، فنهطل أغنية في فصل الأناشيد.

المدى قصدية منثورة فتعالي ندوزنها. ونصنع قوافيها من أحرفنا.

المدى حكاية مبعثرة، تعالي نرتبها ليس حسب ترتيب الزمان والمكان، وإنما وفق ما ابتدأنا نفك رموز القراءة لنمحو أمية أحداقنا، حين نقرأ أحرف وجهك

 


رسو بعد الرحيل

تمرين عند الفجر

سرب يمام

فينثني رمش الظباء كأنه

من فرط وجده

هام .. سراً

في جفن الظلام

بالسر نرتشف الحكايا

وحبة .. حبة

نقتطف

عناقيد الكلام

****

"رحيل1":

بحار وهب مجذافيه للريح لم تهدده المواني أوغل في عمق اليم فتراكمت الأصداف في مركبه.. أطلق للساعات أجنحتها وظل بلا وقت يشرع للريح صواريه تتقاذفه الجزر، فيعدو منتشياً بالمرجان كأن أقمار المساء أهزوجة لهوٍ في يديه.

"رحيل2":

طائر يمد أجنحة التحليق للمدى، يحط هنيهة عشق على سنابل الضوء ليتني حنطة اللقاء... ثم يطير.. نادته أيكةٌ على البعد:

 "تعال .. ستمضي مواسم الحنطة ويقضي عيد الحصادين.. فتعال أخبئ ريشك للشتاء الجديد".. حلق الطائر من أفق إلى مدى وغاب في زرقة الفضاء السحيق.

"رحيل3":

تعب الطائر والبحار أنهكه رذاذ الموج فأسلم للصمت قصيدته، من يكتب فيها حرفاً يصبح ربان العشق بقلبه

"رسو أخير":

ألقى البحار مجذافيه على الشاطئ غسل الطائر ريش الترحال كان ثمة ميناء على كتف البحر يناديه. أغمض الطائر جناحيه ومشى ومن دون وعي أطفأ فوانيس السفر كان الحلم أرق من هدب عروس تحلم بإكليل ضوء حين قص أجنة مجاذيفه وغفا.

 


جموح الأفراس

صمتٌ يرتشف ما ظل في فنجان المدى من ليل..

خطوات ضئيلة الوقع، تعزف على أوتار الطريق..

فتاة ترشق أشجار العتمة بحجارة الشوق

يتساقط صبر الانتظار .. غربةً .. غربة..

أبسِطْ كفيكَ هل ظلَّ من زاد الأصدقاء ما يكفي للوصول إلى بوابة النهار؟!

أوقد اذن.. قنديل عينيك وانتظرني

وان شئت أن تغفو..

فاترك شريطة ضفائرك

ساهرة في الباب..

****

فرس تجتاز حقول الحنطة.. لسنابل طهرها إيقاع الشمس لحظة البزوغ..

تمر على مهل كانسياب الحلم اذ يمر على جفون عذراء يراودها الأقحوان عن عطره.

يفيض الخزامي غيرةً.. يرمي رداءه البنفسجي من فوق تلال الورد..

تحل فرس النقاء ضفائرها.. تسرحها بمشبك الصبح وتخضبها بحناء أول الغروب..

يجيء الخيال متعباً من ترحال العمر يهده جيد الوقت يعلق على شموخه قلادة من قصائد وياقوت

علمه الترحال أن للأفراس كبرياء يشبه غضبة الشمس..

إذن دعها تمر على مهل لا توقظ أعشاش القطا خلِّ الحنطة ترسم دربا له طعم الحصاد وخبزاً وزوادةً من حنين..

سيأتي العاشقان بعد موسمين من الطفولة سيفرشان هذا المدى لا أحد يعلم أي شيء يكتبان ربما مقطعاً من أغنية ساحرة الإيقاع أو ربما يلملمان سلال الورد، لذاك الخيَّال...

فرس تجتاز معابر القلب تحث الخطى تحز جبهة الريح وتمضي يتبعثر الدرب تتنحى الأشجار عن قارعة الجذور من يهدد جنون الريح ان ألقت بسرج العقل وجمحت؟!

من يمسك لجام الوقت لحظة صغيرة؟!

فقط لحظة؟!. (يقول الخيال مزهواً) وينفض عن أوراقه غبار الأمس .. يمدُّ كفه للفضاء محملةً بالأقحوان المندّى بماء النقاء فتستكين الريح وتأتي الأفراس طائعة.

 


سيل ظباء

قمر أودع في سر الليل حكاياه

جاء غريباً في زمن الوحشة

حط حقائب عشقه فوق تلال الذكرى

مثل غيوم جفَّلها برق فانهمرت دمعاً

وتهادت صوب حقول الدهر

سيل ظباء

***

كانت المدائن تودّع ساكنيها.. أسدلت النوافذ ستائر نعاسها  لم يبق في المدى سوى الظلمة وأوراق شاعر تتفرس العتمة وتوقد من حروف القصيدة قنديلاً لليل جاء بلا أنجمه.

كان الوقت يرتدي المدينة يسأل الشاعر:

-         أي كواكب عشق جاءت بضوئك، والغيم يلف بساتين القلب كرداء ثقيل؟

همس القمر:

-         كنت، زمان، قطرة ضوء تسبح في بحر الأفلاك.. تهيم بكل نقاء في فضاءات الزرقة ثم تعبت أنهكني حزن تذاكر الترحال لم ألق فضاء أمنا كأحداقك فأودعت فيها سر حقائبي

المدن تصبح قلادة عروس حين يزورها القمر في غربة ليلها تتوهج التلال ويمتد وشاح من الفضة على جبين بيوتها.

كان القمر يتناغم فانوساً في ليل الشاعر مرة يتحول ظبياً، فتمتد نبال الصيادين صوبه تحاول أن تأتي بضوئه لكن القمر يمتطي صهوة الشموخ ينقل خطوه بكبرياء السنديان

فتعود النبال خائبة.. تتكسر على عتبات نقاء الأقمار.. مدَّ الشاعر أكف الانتظار:

-         تعال وكن قمرا يسامر قصيدة كتبت عربونا لحضورك

يدنو القمر وعلى طاولة الشوق يلتقيان كأنما قلادة زمرد جمعت عقيقها حول معصم عذراء ما مسها خريف الفصول فظلت كعروس ثلج تتباهى على قمم الروح.

في زمن الوحشية مدن تودّع ساكنيها.. ليل يودّع أنجمه.. وشاعر يستقبل القمر..

 


زفاف نجمة

غيمتان

تحت الجبين

تمطران

فيسير ماء الورد في زمن الشتاء

تناثر شالها يوم الوداع

قالت: سآتي

ومضت كحلم نهار أيقظه المساء

ثم عادت كزفاف البحر الى المرجان.

***

الساعة تبحث عن ثوانيها الآتية عن عام جديد وكنت تخبئينه بين هدبك والحاجب

كان الوقت ينسج رداء الظلمة لجسد المدينة فالتقينا

سألتك أن تواري نجوماً تضيء في ثغرك كيلاً يباغتنا ضوء الحقيقة فيقرؤنا العابرون إلى ضفة العام الجديد..

أطفأ الليل آخر قناديل الصبح فحملت ريحي أوراقكَ كما يحمل الموج كنوز قراصنة الخرافة.

الزمن أعلن ميلاد أيام لا نعرفها فأطبقي هدبيك وقولي أمنية

تمنِّي أن تصيري عصفورة شوق تبني بيتا على اغصان غربتي

أطفأت كل شموع الأمس فتمني أن تصبحي فانوس عشق أتهجى بضوئه حروف الأيام

همست لي كأغنية الطهر: "قل أمنية بلون زرقة اللقاء".

-         .. لو أن أحلامي قطرة حبر تتحقق على أوراق جفنيك لملأت حقول الكون أزهاراً من الشعر، لكتبت ملحمة بطول أغصان قدك ورسمت فوقها طائراً بجناحين يمتدان كحكايا الدهشة وهي تروي للخلائق عن ثلج أودع نقاءه في كفيك، ولما عجز ربيع الدنيا أن يحول الى جدول صغير، ظل شامخاً كجبال الأرز في عصف السنين

جاء الصبح أعلن العام الجديد ولادته..

قالت : أمهلني هنيهة شوق ومضت، وعند المساء ألفيت سرباً من النجوم يحلق في فضاء الروح، ويقترب من نافذة القصيدة كان السراب يزف إلى قمري نجمة..

 


شجيرة عتاب

يا لاثم الريحان قُل

هل غار منك السوسنُ؟

***

نورسان حلقا في سحب الفضاء الممتد بين وجنيتك والمدى

كان القلب عصفوراً بلله ماء الترحال وأوراق يعبرها حبر القصيدة

قالت:

-         لمحت طيف عينيك يجتاز قمري يحدق في كواكب لا شمس فيها ولمحت أن الليل يحمل أنظارك لفضاءات الساهرين.

قال

-         وحدك تهبين الضوء ائتلاقته حين تذوي زهور الصبايا وحين تطل شجيرة فلُّكِ من أين لجنائن الكون أن تتنفس أريجاً إذا خبأت عطرك؟

-         لكنك مددت جناح الكلام لسحابة عبرت بيننا

قال

-         وحين يجيء كلام الأخريات، تصيرين كتابا فيك تبتدئ الحكايا والأساطير وتصادر أسطرك كل حرف وضعه شاعر في قصيدة..

-         شجيرة عتاب كادت ان تنمو بينهما مدت أغصان الحزن لتنأى بهما صارت الجدران تمر بلا نوافذ.. أبواب الدفء خلعت موطنها لم يبق في فضاءات الروح سوى ثرثرة السكون أغلق دفاتره ودون أن يغفو صار يحلم بموقد كفيه اذ يدنو ثلج الانتظار

أيقن أن الليل سيأتي بلا قمر فأعد لظلمته فوانيس الوحشة

بعد ساعتين من الحزن جاء ربيع الكلام..

-         تأخرت..؟

-         كنت أنسج حزن البعاد رداء حلمٍ للقاء.

-         هات ارتعاشة هدبيك وحدي ألملم غربتها.

-         وحدك تسبين كل حقول الكلام ومراكب شوقي لا ترسو إلا في ميناء انتظارك على النوافذ كنت أرسم النوارس لعلها تخبر بحرك كم من الأشرعة أبحرت إليك في عصف البعاد

ورقةً.. ورقة ذوت شجيرة العتاب .. كنا على الماء نزرع غابات احتضان.

 


مقامات الزاهد

وحطت القافلة في مدينة الجبال، فقال الركب للزاهد:

-         كيف تعتلي هاتيك الصخور؟

قال:

-         بالصبر ..

وان أعيتنا فما نحن إلا بشر ؟!

أجاب (وقد عب رئتيه كثيراً من الهواء) :

-         اغسلوا أرواحكم بالذكرى وتوحدوا بذات الغائب، ولا تسرفوا في مباهج الكون.. وأغمضوا أجفان الوعي ثم تحسسوا أكتافكم هل من أجنحة نمت؟

-         حينها بإمكانكم ارتقاء أعتى الجبال صلابة ..

"وفعلنا" قال أحد المريدين وهو يدون التاريخ حكايا الصعود.. وأردف:

ما شعرنا إلا وأجسادنا أخف من ريش الضوء كانت نسائم الوقت ترتقي بنا، وكنا كمن يصَّعد في السماء، إذ ضاقت صدورنا، فهمهم الزاهد:"اصبروا" وصبرنا كانت الرياح تحرس الجبال فكادت أن تميد بنا عن مقاصدنا، لولا روح الغائب التي أحاطت بنا، تبث الدفء في أجنحتنا، فاستكان البرد من حولنا حتى وصلنا الذرى فربضنا فوقها كما يفعل النسر لحظة الشموخ ثم نزلنا إلى المدينة قالوا إن واليها يحتفي بالضيف كاحتفاء الزهر بلثغة الطيور، ولما أحس الحراس بنا (يقول المريد): أمر بنا وأجلسنا في رحابه ثم استدار صوب الزاهد يسأله:

-         من أي ديار أنتم؟

قال الزاهد :

-         ما للسابح من دار وله كل الديار  ..

قال الوالي

-أصبت.

رد الزاهد:

-         بل قد اجتهدت والاجتهاد عتبة الصواب .

قال الوالي :

عظني

قال الزاهد (وهو يمسح عن كاهله عناء الترحال):

ألا فاعلم أن الوالي بين العباد طائر عملاق له جناحان أحدهما قوامه ريش حاشيته المقربين والآخر لعامة الخلق ألا وإن الطائر إن طار بجناح واحد هوى..

 


حروف

للوجوه التي عبرت مسائي ذات انتظار، اقرأ على شاهدة ارتحالها بادئة الكلام

قبل أعوام أو ربما بعد اكتمال الضوء في قمري

مروا على خيل من الذكرى

مروا كان الليل في سفرٍ

فاستوطنت لغة الحنين بأضلعي

لو تركوا سنابك عشقهم .. منديلهم؟

ومضوا حرفا نسيه العاشق في الدفتر.

***

تحلق النوارس في أشرعة مواقد شوق يهجرها الحطب وجوه تعبر مرآة ليل الذكرى أعوام مضت فجأة ترتاح رسالة على طاولة سهدك أي فضاء تعبره الكلمات حتى تصل إلى مقلتيك وكم من الطيور التقت في الطريق..

تقلب الغلاف .. هذا الحرف تعرفه قبل أعوام كان يمتطي بنعاس راحتيك

كان يقول: تأخر الزمن ستسرقنا عتمة الغابات وأخشى أن تقرأنا جنية الدروب

اهدأ كل النجوم ارتحلت خلف سحب الشتاء سيمنحنا الغيم باقة أقحوان

كنا نطفىء قناديل الليل ونستهدي بضوء الطهر الغافي في عينيك

كان زمانا وارتحلنا مضت الطرقات حينها ولم تعد أخذت  الأشجار معها لون تورد الوجوه في أول لقاء الآن وقد مر دهر على الغياب يطرق بريد الدفء ذاكرتك يلقي على عتباتها رسالة لها أريج عتيق تعرفه

يحلق القلب بجناحين من زمرد يتحول إلى مدينة صغيرة تتسع لكل حدائق الرسائل وبيوتها تقرأ في السطر الأول:

حنجرة فيروزية تدندن بأوتار لها شكل أيقونة معلقة على جدار قديم

في السطر الثاني:

لون آخرِ غروبٍ عصفور نفض ريشه المغسول بماء الورد

في السطر الأخير: أحرف لم يبددها رماد الوقت ما زالت نقاطها تتقد فيتوهج المكان تمتلئ الزوايا بالضوء فتخشى أن يقراك العابرون حينها تغمض أجفان الذكرى وتطفئ الرسالة ..

 


بادئة الندى

دع الغيم يمضي

لا تَمْتطِ السَّحاب

اقرأ الجد في خد رمان الحقول

بعد بادئة الندى

قبل الذبول

تعلم كيف يسكن الحرف قارعة الكتاب

وكيف يبزغ النجم الوحيد

والكواكب في أفول

وتلم كيف تأتي دونما غيم مطير

سيكفيني من رمش أوراق هدبيك

هذا الهطول

***

وغدا كل هذا الموج يرتاح عند شاطئ جفنيك كل حكايا الترحال كل النوارس أوقدت جنحيها للريح ساعة الرحيل ونجوم البحر تلقي شال غيابها لحظة على جيدك الوردي تخبئ في سر عينيك أصداف المساء تعال إذن وحيداً دع للمدى زرقته وهات عينيك وترك للحنطة لونها ثم أرسل ضفيرتك سنابل عشق في موسم الحصاد خبئ أنغام خلخالك كيلا يسرقها العازفون ..

تعال إذن وحدك لا فصول، فكل أنواء الكون تسكن كفيك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

تجيء

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مساء بساتين الغياب تأخرت أكنت توزع أريجك على حقول الياسمين؟!

-         أخرني لون الفجر أتفرس أرجوانه فأراك ممتطياً صهوة الوقت تجوب بيادر الروح جامحا كتدفق الشمس خجولاً كزهر التفاح وعبرتني كنسمة بحر ألقيتَ رسائل اشتياقك وأوغلتَ في الغياب وكنتُ أنتظر لون الفجر مرة جديدة لعلي بين أرجوانه ألقاك.

-         مساء جنائن اللقاء ها أنت تورق في أوردة الظمأ مثل قطرة ماء انسكبت في بيداء الغربة

-         تعال وحيداً واطرق نافذة القلب، فليس تحت ظلاله إلا مقعد واحد ..

 


أربعة حروف

وكنت وحدك لا دفء يحذو على وحشة القلب ولا ثغر يبارك صبحك الغسول بالغربة ومن دون سابق تذكر تطل من ثنيات المساء يمامة ترنو إلى مساحات غربتك تهمس أما زلت بحاراً يحمل أسفاراً ترحاله؟

تقول لها وراهنت على كل محطات العمر، قايضتها بتذكرة عشق مثقوبة الأطراف..

تزور اليمامة هيكل روحك تطمئن ارتعاشة جفنيك تقرأ على صفحات وجهك عذابات الغربة وتمسح عن كاهلك رماد الأيام في الورقة الأولى الأولى من عمرك مكتوب أنك بحار وفي الصفحات الأخيرة سجل الدهر عدد المحطات التي زارتها روحك فما استطاع عدها.

قالت اليمامة ما جدوى أن تضم بين أفلاكك مخلوقات وزهور لتحمل أوزارها، ما دام كتب على صفحات قدرك أن تكون بحاراً وزورقك هيام من الوجد لا يرسو؟

قال لها: أعوام من الهجران مضت

أدمن القلب سفره فكل أثاث الكون موانئ عشق إلا أنك سيدة الشطآن

قالت: هذا حديث بحار متمرس في الإبحار، جرب كل أصناف المحيطات حتى خبر أمواجها قلبك الآن قادر على السير بلا بوصلة.

حدق البحار في اليمامة قال: كبرت أيتها اللاهية كضفيرة غجرية، وكنت اليوم طفلة تعدو على معابر الروح وزهرة بيلسان ما مست أوراقها ريح ولا بعثرتها فوق الدروب الخريفية واليوم جئت مثل نورس جاب المحيطات وأدرك مكنوناتها، فغدوت تجدين قراءة الأعماق.

أيا يمامة الصبح من علم أجنحتك التحليق في الأنواء الصعبة؟ ومن ذا الذي أوقد جذوة الغيرة في أحداقك؟

صمتت اليمامة ثم همست: ألق برواحلك وترجل عن مركب الهجران وتذكر الأرض ولون الجدران التي هجراتها ودفتر المحاضرات وحديقة كان العمر يلهو على خضرتها طفلاً ثم أباح لعشقه أن يغفو على عسلية أحداقها.

ومن دون أن يكبر بارك ثغرها "بهمسة" عند الصبح الأخير من الاحتضان .. ورسم أربعة حروف ربما كان لاسمها.. لا يذكر سوى أن الحروف كانت تستفيق عندما تشتد الغربة حوله فتمسح عن جفنيه رماد السفر.

 


أرواق الانتظار

كأنما الصبايا بلا لون

إذ تغزلين في عينيك سجادة اللقاء

ترتاح فوق خيوطها

نبدل الألوان القديمة

نرسم الصمت حديثاً مسائي الحروف

نرسم أجنحة للذكرى

كي تمضي بعيداً

وحدك دفاتر الأمس

كلما قلبت صفحة

كنت بين حروفها نقطة تنهي كل الجمل التي سبقت ليبتدأ فيك الكلام..

***

الأساطير خيال لا حد له.. ربما كانت مثل اتساع أحداقك حين يباغتها حلم اللقاء.

همست المرايا: إنك تملئين فضتها ضياءً حين تسرحين جدائل روحك وأن المساء يتجمع فيها حين تعقدينها بشرائط الحنين

 وقف على حافة الشباك يرقب ألحان خطواتك أغلق الوقت ثواني زمنه لربما تأخرت بضع شوق.

لعينيك حضور ألوان المطر حين تعتصر ريح البرد غيوم الدفء فيرتسم طيف على جفنيك..

كان الوقت يذرف انتظارا وكنت مزروعة على ماء الذكرى وحدك تسترقين كل حكايا الأمس وتتربعين على عرش حروفها بجناحيك تكتبين الحكاية التي تشائين تجعلين حلمك خيالاً ألقى سروج الروح على قافلة عشقك

سلمك رماح التعب ودروع الذكريات التي انطفأت..

الوقت يرفع عينيه للمدى ثمة نورس يجتاز الآن الموج يخط في الفضاء دروباً من العطر يقترب يحط على طاولة العشق ويمضي..

كم أنت رقيقة كالفجر كان النورس يضمك بين جناحيه ريشة حين ألقاك قصيدة فوق أوراق الانتظار.

 


حوارية مع ضليل الروح

"..وغداً أمر"

وحكايا مثل قميص العشاق

معلقة على باب خيمة الذكريات

يا ضليل الروح

لمن تركت الندى سارجاً صهوة الخزامى؟!

أيركض البنفسج في التيه إن شقَّهُ الوجد؟

أيرسم العاشق وجه الترحال على دفتر الماء ويمضي

بلا أوراق؟

"..وغداً أمر"

وماذا عن اليوم أنرمي تفاصيلنا الصغيرة في كف الريح أنخبئ ثياب العذارى عن أعين النهر وكيف إذا جف الماء بغتة أتسقط أوراق التوت

فنتوارى جميعاً وراءها

"وغداً أمر" لا بل غداً تغمد نصل الحزن وتشارك زوربا رقصة الانتشاء.

***

طائر في فضاء غربتنا تجيء، حالما بالنرجس وبأغصان الليمون التي كتب فوقها حرف خطواتك الأولى كانت صبايا الحي ترسم على جدران مواعيد التقاء وكنت تأتي خلسة لتخطف الدنيا من كحل فاتنة وتمضي..

وحين يتأخر الليل كانت الفتاة تستل نصل كحلها فأي صبح يجرؤ على انتهاك هدأة الليل على جفنيها

ياسيد البيد أوغلنا عميقاً في التيه، وما أطل الخزامى ولا بانت فتاة الروم وأبوها يحيك لك بردة مسمومة فلا ترتدي زمرد الوقت الآن ..

يكفيك من مباهج الدنيا عينان ساحرتان ورمش يمتد كسعف الليل على كتف النخل أوراق القصيد بوجه المدائن التي ترشدك

يا أنت يا كل منمنات القوافل والقوافي دعنا نسرج راحلة الشعر نجوب قفار الكون نفترش عطر النوار وإن أتعبنا نتكئ على مقبض الصحو ولن نغفو..

يا ضليل الروح هبني جرحك واكمل قصيدتك التي أرقت أطلال الأمس.

قل ما تشاء عن عذراء أمضت ليلها ترمق سنابك الآتين ليطرقوا وحشتها

قل ما تشاء فلن تغلق النوافذ ستائر انتظارها حتى تراك ممتطياً صهوة المدى آتياً من الفضاء البعيد تكتب هيلاً على فنجان الليل وثوب عشق أخضر يوم تزف أشجار السدر للريح.

 


حفنة شوق

لأنك الليل أطفأت مصابيح القلب، أنشد عتمتك الكبرى، فتاهت فراشات الحاضر في ماضيك.. في أمسك الموكول بالعفة أفلتت فراشة من صمتها ودنت إلى موقد هدبيك تحلق حول جذوة أحداقك فأفزعتها حين أطبقت جفنيك على حلم أزلي سألتني عيناك كيف يكون الحلم شعوراً بالاحتضان، والقلب غاف ما استيقظ مرة من سباته احترت يومها في الجواب حيث الثغر يقيده أريج أسلاك الضفائر..

والأكف غادرت ليلك دون إذن من دفء أناملك.. يومها ابتردت أضلاعك واعتراها ذهول خريفي.. أخمد كل موقد الفرح لديك حاولت أن أرسل حفنة شوق لجنابك لعل برعماً في بساتينك يؤججه الوله فيقرأ ترنيمة العطر على جسد الأفق..

عذب أنت كأغنية تمردت على اللحن فجاء الصوت نقياً بلا إيقاع يضبطه، يا من تتمرد على الأوتار كيف أطلقت سبابة عشقك لتومي إلى فراشات أن تحط على برعمك.

ها قد جاء الصبح وما زلت كسابق عهدك بالحلم تغفو مترفاً بالنظرات التي تشتاقك قم واغسل عن هدبيك نعاس الأمس إمنح البحر أشرعة ونوارس وكنت تغلق أجفانك على أعذب عتمة تتوه فيها المصابيح.

وحده اللحن كان يقفز يتمرد على الأوتار ثم يستلقي متعباً فلقد ألقيت مصابيح القلب قرباناً لعتمتك الكبرى وأذكر أنني أنشدتك بعض أوهام احتضان.

وتذكر الروح، أنك عدوت على معبرها كطفل تبعثرت كتبه المدرسية فانثنى يبكي وأذكر أن دمعتك انهمرت وتسللت إلى قاع البحر لتسكن محارة وتتحول بعد زمن إلى عقد يتربع على صدر عاشقين.

 


رواحل

قل للأصحاب إذا مروا الليلة متعبين من سفر الأيام

أن يمكثوا في مضافة القلب لحظة

قبل الرحيل

وقل لهم

أن يهدهدوا راحلة الكلام

ويتكئوا على ضفة الصمت مرة

ربما يجيء الحادي بعد قليل

فتعالي سيدة تويج الأقحوان

نطفئ في ميلاد اللقاء

خمسة قناديل

وتعالي إذا ما غفا الصحب

نغني مع الحادي

نصنع القهوة لقبّرات البراري

كأنما حين تأتين بغتة

يستحيل الرمل خزامى

فتعالي نحيك للأفق بردة من ظلام.

 

 

مواسم الفَراش

ترانيم

للّاثمين شفاه الضوء في وجل

يوما لمحناهم

يلملمون حكايا الحنطة السمراء

للصبايا اللاتي أهدين الضلوع

رمقاً من عنبر

وجنائن رمان

***

يستفيق الأفق يغسل عن فضائه آخر عتمات المساء

تعبر الصبايا حلم الضوء الأول يهمس له ألحانا لا يدرك إيقاعات إلا من عرف حوار النوارس والقبرات وكنت وحدك تدعو الصبح لفنجان هيل وتمسح عن كاهل الشفاه بقايا الصمت تحط فراشة على شباك نهارك الأول تدعوه للمسامرة تأمل من جنحيها أن يبدد وحشتك

تقترب الفراشة تلثم فنجان عشقك وتحكي لك حكايا البساتين وحقول البنفسج

وتحكي لها قصة بحار أشرع رياح الكون أشرعته

فتحنو عليك الفراشة لتواسي رحيلك وتدعوك للمكوث في حجيرات الروح

تستجيب لهمسات الدفء وحين تدنو إليها يجفّلها ضجيج الرحيل الساكن فيك فينمو الصمت على ترانيم أودعتها في سر الحناء

فيمضي زمان تكبر فيه جنائن الرمان ويستبسل العوسج البري في وجه الرواحل

وتظل تشرع نافذة الصبح الأول وعلى حافته تضع فنجان عشقك ومواسم الربيع تهمس في سر الفجر غدا تعود أسراب الفراش.

 


أوراق الحكاية

نلتقي ذات صبح من نوار

نتنامى كرموش الفاتنات

في العيون الموحشة

نتهادى مثل سيل من ضياء

أوظباء

يحتوينا العمر أنهاراً

من ربوع المهد نبع من حياة

للمصب الأكيد في جنان الضلوع

***

ببطء ينساب الضوء على خد الأفق شمعة من شمس كان مهداً ينتمي لمشاوير البحارة

كخطوة تسبق صيد اللؤلؤ

ابتدأنا نؤلف حكاية العشق قلباً قلباً

في الصفحة الأولى كتبنا

أغنية من فيروز ولحن أزلي الإيقاع على أوتاره تبادلنا رسائل الهمس استرقنا نظرة وحين اشتعل الإيقاع نامت أناملي في راحتيك

****

نسيت أناملي هناك، صارت نرجسة وصار الوقت قطعة سكر تذوب في كأس شايك المر فانصهرنا حتى توحد الليل بعيون الساهرين

سار الغد بنا قصائد شوق تواعدنا وطيور العتمة فوق الموج تؤلف معزوفة اللقاء توهج الملح في البحر وناءت سفن الملاحين بعرائس البحر وخرافات الجزر المنسية وكنت وحدك الحقيقة..

 


فراشات وزنابق

أوقدي شمعة ميلاد أخرى، معتم هذا المساء

أهديك باقة ضوء من مدني المنسية بين دفاتر القلب فاكتبي فوقها ما شئت

قولي حكاية عشق طفولية أو حدثيني كيف خبأتِ الليل في عينك لما هزمته رماح الصبح

سلفيني شالك أستفيء به من رذاذ الطقس وخبئيني في جفنيك من زمن لا أعرفه

شمع جديدة لهذه الغربة أوقديها لعل الفراشات التي نسيت أريج الزنبق تعود اليوم لعلها تذكر أمسنا الذي زرعناه حنينا ولقاء وجنيناه وعوداً

أستقرئ صمتك تجاه شجرة أقرأه غصناً غصناً وريقة وريقة وأداري خريف كلامي عن نسغك الأخضر ثم أتجمع ربيعاً لآتيك

أيبهجك نوار الربيع كيف وأنت عروس الفصول ولونك يتجدد كل لقاء؟

سيدة الفصول معتم هذا المساء وذاك القنديل المعلق على جدران القلب يكاد يخبو إن غاب ضياؤك فاملئي نوره ..

آتيك من كل دروب العمر حاملاً ترحالي فارمي صمتك بعيداً

تعالي حدثيني عن ترانيم اليمام ولعب الطفولة وجدر كتبنا فوقه حلماً صغيراً ونخلة تجمعنا تحتها ذات مساء فدنا القمر يسألنا أن ينادمنا وما أذنا له ومنحناه حكايانا استرقها وراح يرويها للغيم

وفي ليلة شتائية الملامح ألقى الوجد بحكايانا إلى المطر فانتشت الحقول وصار الزرع يهدي للعابرين زهراً وحكاية عشق.

 


صوت يحمل الأصحاب

لمن يزف القلب أغنية اللقاء

كل الصحاب اليوم قد رحلوا

ما ظل في الليل إلا الليل والعتمة

لا صوت أشجان الندامى

لا قهوة يحتسيها المساء

صمت.. صمت

والغربة تقتات على مائدة الضوء المتبقي في عينيك

إن أنت تضيء الآن كلؤلؤة تسبى

أو أنت تشع كفانوس

يغتال الزيت الساكن فيك فتطفأ

***

لم يكن في الدرب سواك

 ثمة ليل وأوراق أثقلها الحبر وأحداق تجوب المدينة وتعود متعبة من الصمت الكسول في الشارع

وحدك تقرأ الدفء..

تعد أوراقك إن كانت تكفي للبدء بقصيدة جديدة

تكتشف أن هناك متسعاً من الأوراق لكن القلب تمنع عن القصيدة حيث الحزن يستوطن الحزن الأكبر منه وتسلق الضلوع كعريشة ورد ما مرها الربيع

كل الأصحاب حملوا حقائبهم لملموا فيها لون الأشجار ولعب الطفولة وأغنيات كنت ترددها وإياهم حين يشتد الفرح كأنثى مزوجة بالضجيج..

غادر الصحب وتركوا لك الجدران بلا لوحات والقصائد بلا شعر والدفاتر سطروا فوقها آخر ترنيمة تشبه صدى الوحشة

من أنت ؟ تسائلك الأصوات المنسابة من هاتف الغربة..

تحتار في الجواب يدنو الصوت منك يلملم غربتك يضمك بين حنايا أوتاره بقايا ويأخذك في سحر همسات الشفاه إلى أي مدى لا تعرف أي أرض لا تدري خطاك

تعرف شيئاً واحداً .. أن كل أصحابك الذين رحلوا.. أتوا اليوم إليك بصوت واحد.

 


لأنه السراج

لم يطو أشرعة العشق ها إنه الآن يرسلها

تركته دهراً

ثم عاد ما مسَّه وجد

ولا أحداق مركبه

نَظرت إلى بحر سواكَ

ولأنه سراجك الأوحد مدّ اعتزاز الروح للذكرى

وغفا مثل برج عتيق

على زندك الحزين

****

لم يبق في الأفق سواه كطائر الصبح رقيقاً كعطر تدلى على جيد عذراء ومثلما قاموس عشق قال اقرأني من جديد فتهجيته في الحرف الأول قرأت الربى تزهو كعقد تباهى به ظبي ما قدرت عليه شباك المساء وما اختبأ تحت وشاح الليل ليتسلل كبقايا الظلام

في الحرف الثاني قرأت ضفائره وفي باقي الأحرف..كانت آلاف القصائد تدوزن قوافيها لتقف كفجر عتيد على منابر الدفء تهمس فيتهادى الصوت كحلم فيروزي

لم يبق في الأفق سواه له جناح من بهاء وآخر من يقين.. ثم يأتي المساء فيغط الطائر في غفوة من هيل وبخور ويقول: خضب كفيك بحناء العشق الذي طالما جهلت عرسه فتمنحه إكليل عناق.

 


 احتفاء بالآتي ..

هو عام آخر يرتحل ..

لا وجد يؤنس وحشته ..

لا زهر يتخاطفه الأطفال

أجراس الليل تؤرقه

صمتا .. وبيادر أشجان

وحدك تهبين ليالينا

طيبا وستائر حناء

***

ليت هذا العام تهادى في مشيته، لقد كان يحث الخطى مثل أقدام الضوء.. لم يدع الدفء يتنامى في أكفنا يوم صافحنا الأحبة كان عجولا ... أو وهما.. مثل حلم مراهقة جدلت ضفيرتها تنتظر فارس الحكايا أن يطلع لها من بين السطور.. ولما طلع الفارس كانت الفتاة تستيقظ من الحلم..

هو عام مر كابتسامة طفل ما لبث أن تلاشت حين سرقوا حلوى العيد من بين يديه..

ليس سوى ساعات ثم تلملم الدقائق ثوانيها وتتلفت.. ما ظل في الزمن من رمق يستوجب البقاء.. لقد تعب العام وتهاوت أيامه مثقلة بحقيبة الترحال..

وكانت عيناك تعدان مراسم الوداع له.. وتغزلان قميص الدفء لشهور البرد الآتية من زمن جديد لا نعرفه.. من أشجار الميلاد لا ندرك من أي ماء سقيت جذورها..

وكنت توقدين شموع النذر. وتخصبين أوراق الصنوبر برحيق الأرجوان المنسكب من كفيك..

كان خلخالك يشاغب على الساق شغوفا بأجراس العيد حيث المدائن تتمطى كسولة على الأرصفة وقوافل العابرين للمساء الأخير، تؤدي ترانيم الاحتفاء بالدقائق الجديدة التي ستولد بعد هنيهات..

صوتك كان يأتي أهزوجة حداء للمسافرين.. وكنا نسكن حقول اللوز في عينيك.. وندعوك أن تدثرينا بظلال هدبيك..

لن يزورنا العام الجديد إن لم يجدنا قابعين في عينيك نغسل أوراقنا ونصوغ أيامنا القادمة حسبما ترتئي أناملك الموشومة بالحناء والزعفران..

فاقتربي هودج عرس.. أو خزامى.. خبري العام الجديد أن أغاني الشوق تتلظى على مواقد الحنين. والعام الجديد يأتي شاباً ويرمق شيخوخة العام القديم ويحث نفسه: كيف تشيخ السنون.

 


مرجان الحكايا

وتجيء كالنخيل

مورقاً..

كأن الصبح يدين لكفيك بالضياء

كأن الماء إذا جئته، وأنت الندى

يتوارى خجلاً كونه

امام نقاء جفنيك.. مجرد ماء..

وانك اذا اومأت للمدى بعينيك

ضاق المدى..

كل اتساع بعد عينيك.. هباء.

أي أغنية تعتز بنغمتها

تغدو نشازاً

أن أشرعت أوتار هدبيك..

لحنها إيذانا بالغناء.

***

شفيفاً كهمس الموج للسفائن، تجيء من سفر الأيام.. أتوّج حضورك إذ أورق الكون تترامى على قارعة الضياع مثل سنبلة مرها ألف مرة هذا الحصاد.

وكنت وحدك تأبى حصاد الريح.. يزعجك لون الحنطة المتناثر على كل شفاه الحصادين..

لأنك الأنقى.. صنعت لك بحيرة عشق لتدنو طيور البجع حالمة بالطل.. وبفنجان صبح يلملم ارتشاف العصافير لقطرة حياة واحدة لمشبك شعر يسافر مديدا بضفائر الحناء اذ تمتد بعيدا كأنها حكاية عشق لا تنتهي إذ الصباحات تأتي كثيرة وإذ أنت وحدك تملأ هذا الليل نرجساً وشموخاً

فدع الريح تكتبنا فوق جدارات عتيقة كأول التاريخ كلانا باق على مر الدهر إن عصفت أحزان الكون بأغصان العابرين للوهم دنوت من يقين عشقك لأنك مرجان هذا البحر الأوحد

اخفض الآن قنديل عينيك لربما تزورنا أطيار المساء على حين بغتة.. وأسدل ضفائرك على هذي النوافذ قليلاً ريثما يمر العابرون إلى خريفهم.. وائذن لحقولي أن تستسقي غمام طهرك في هذا اليباب..

 


الأمكنة

ويجيء بك المساء.. قرنفلة..

أتهجى همسات الساهرين

في عينيك

تتناثر خيول شعرك.. إذ يجفلها الهواء

تحلق ضفيرتك الليلكية

تصعد إلى قمم الروح أطياراً

وتعود مع أول نسمة شوق ألفظها

سرب فراشات صغيرة..

تستريح ما بيننا

على طاولة اللقاء..

***

"مكان1":

أشجار تتكئ على سور التعب.. وما يرتمي من بين الصخور، يفيض رذاذ المساء كشال يمرح لاهيا على جيد غجرية..

يتدلى قرط.. أحسبه ولادة عريشة ياسمين.. وأحسبه مخاض التفاح في مواسم الزيزفون..

"مكان2":

 مقعد خشبي عتيق وزهرة تترك الشمس وتتبع ضوء وجنتيك.

طيفان يفترشان المقعد يكتبان على ورق المساء همهمات البحر..: يا أيها الأزرق الممتد مثل نظرة عشق ساهمة.. خبئنا في نقاء محارك، ريثما تغيب أشرعة الساهرين".

"مكان3":

كفان يلتقيان على صمت الأوراق.. يجعلانها تحكي، ما الذي تثرثر به الأوراق حين يخضبها مداد عاشق!

تقول الأوراق:

"كنت جسداً مرمياً على طاولة.. بالكاد أتنفس ضوء الأيام.. إلى أن مرّتني أنامل الورد وسطرت على جبيني أساطير الأمس، فاستفقت.. نادمتي قصيدة وردية.. حتى صرت أغني..

تنام الأمكنة السابقة.ز يهدهدها نعاس المساء.. وحده.. ركن في جنائن القلب يظل ساهراً.. وأوراق يتركها الطيفان على طاولة اللقاء.ويطيرها الوجد للمدى.. يحلق الطيفان وراءها ثم يغيبان ..

 


حين انتظرتك ذات غربة

كأنما رمشك المغسول بالفضة،

جناح نورس عنيد

لم تجفّله المواني

لم تبدد ريشه ريح الصواري..

يا نورسا.. والموج أضنى مركبي.

ضُم ترحالي.. ريشة في جنحك الفضي

خذني لقصور طهرك قنديلاً

أوقدني أن أنت تحس ظلام الغربة

في زمن الريح ألوذ برداء جفنيك طيراً، فيدثرني كادت نوافذ الليل أن تستبي حلمي

فاحك لي قصص العمر الأول.

لعل الحلم يعاودني إذا أغفو على أوتار شفتيك

***

كان البحر يمتد كاتساع أحداقك.. وكنت مركب عشق بلا بوصلة.

أوصلني المد لكل جزر الليل.. تقاذف الصدف الفارغ أبحاري.. كان لا بد من جزيرة لها دفء كفيك.

بحثت عنك.. أوصلني الدرب لمدن لست أعرفها..

قالت لي المراكب:

"في الغربة تصادق الأشياء وحشتك.. أشجار الرصيف تمتد لك كف الأخضرار.. أشجار الغربة كالأنثى، حين تظلل وقوف انتظارك".

كنت هناك أترقب وصول قوافلك.. حاولت أن أرسم صورتها على وريقات الذهن.. ربما كانت تشبه ظبياً أفلت من صياديه فجاب غابات القلب بكبرياء حضوره.

أو ربما أن تشبه حكايانا الصغيرة عن نجمة الصبح.. وعن عصفورة خبأت ريشها عن مطر الفصول لتظل شامخة.. تحلق في فضاءات النرجس، تلتقط حبيبات الهوى بغنج ثم تطير..

قوافلك تقترب الآن.. كأنها شمس استباحت الليل شروقاً، فشقت قميص الظلام.. ها أنت تقترب، فيغمرني الضوء، ما اعتادت أجفاني أن تحلم بالضوء لكنني.. وجدتني أرى عروس صبح لها تاج من الفل ينمو على جبينها.. ورأيت أنني أسكنه وأتجمع شهداً ربما كان حلماً قبل أن يوقظني أريج الفل بخطوتك.

 


في لحظة من الزمان

 

ذات غرفة باردة..

لاشيء فيها سوى صورة جدة واجمة منذ دهرين

فوق الجدار

ولا شيء غير عينيك وآخر هذا الليل الحزين

وبقايا من تفاح الخطيئة فوق الدثار..

كانت الدنيا سديماً مثل أغراب غفوا فوق صبار الحنين..

لا الأزمان مناديل الذكرى إذا انهمر الوجد من هدبيك..

ولا لونك المرسوم في أيقونة السنين غدا قرمزياً مثل ما كان..

قادماً من آخر الطريق ..ألفيناه يعبر مواسم الورد..

طرق الباب

أيقظ في برد الغرفة رماد الأيام..

أشعل فانوس العمر وأطفأه..

وحين فض حقيبة الترحال تساقط الصحب القدامى

ذات غرفة باردة..

والعمر يغيب الآن كآنية غادرها الزهر..كقطعة شطرنج خسرت كل حجارتها..

والعمر يغيب الآن..ويذوب كقطعة سكر في شفة الأطفال..

طرق الباب..تناثر في السر غصن الأيام بكفيّ

مسحت بأكمام الزهر بقايا حلوى العيد العالق بخديّ..

وفتحت له الباب

أذهلني لون الشوق بجفنيه

عدوت كمهرة من جموح

لم يبق في الطريق سواي..وسواه..وطيور الليل إذ تكتب فوق الجدران بيوتاً من أعواد الوهم

كانت الدرب مديدة الحزن ..وكان النهر يكتب سفر عينيها من ألق

لم أغلق الباب..تركت النوافذ مشرعة ..لكنني على غفلة من الزمان

ضممت جنحيه كي لا يطير..

 

 

 

قصة قصيرة

حب كاثوليكي

أحسس بوميض يحز جبهة الظلام ، التفت إلى  جانب الطريق ، كانت أضواء مدينة دير الزور قد بدأت تطل كنجوم رسمها عشاق بالوهم..اقتربت الحافلة من محطتها الأخيرة ..لم يتبق من صورة المدينة التي تركها قبل عشرين عاماً سوى هذا الغبار ..تبدلت الوجوه والدنيا ..الأزقة التي كانت تدفئ أمسياته تطالعه الآن ببرود :

((من أنت ؟..ومن أي حزن جئت ..وكيف اغرورقت عيناك بالذكرى حين مررت بشارعها القديم..))؟

الغربة أقسى من نصل الحقيقة..المدينة  يوم غادرها كانت تغرق بالحزن وبالصمت..ولا شئ حينها كان يدعو للتأمل سوى عينيها الضالعتين بالسواد وهما تعكسان حجم الوحشة التي نمت بغتة بداخلها وأنت تهمس لها بالغياب.. المسافة بين قلبيهما صارت تنأى رويداً.. كقمر تركته الرواحل مستوحشاً وقت المساء وها هو يعود اليوم غصناً مثقلاً بالذكريات .. يطفئ قلبه عند معبرها خشية أن يضئ فيفضح لهفته التي داراها سنين..يعبر الدار القديمة ،لا أحد يلحظ خطواته سوى حلاق الحي يخرج مرتاباً بين شكه ويقينه يصرخ :

-       عادل..؟!

يلتم الأصدقاء القدامى حوله وكأنك قطرة ماء باغتت رمال الظمأ..

مازالوا كما كانوا يسندون ظهورهم على زاوية الجدار في الشارع ويتفرسون بالعابرين ليلا إلى الأسواق..وما زالت المدينة ، لهذا السبب ، تطعم غرباءها أكثر مما تطعم أهلها.. الجدران أيضا تغيرت إلا واحدا ظل مغموسا في الذاكرة كقطعة من حنين..مر بجانبه ودون أن يلحظه أحد توقف ليتفحص عبارة كان دونها ذات مراهقة ..لم يجد سوى الحجارة الصماء ،ارتفع صوت الأذان وأجراس الكنائس..كان أهل الحي حين يعبرون إلى المسجد "الحميدي" لصلاة العيد يتصافحون مع الذاهبين إلى الكنائس أما في داخل المسجد فكان رجال الدين المسيحيين بلباسهم الأسود الطويل يجلسون في حلقة الاحتفال الدينية التي يقيمها المسجد صباح العيد ، ويأكلون معهم الملبس ويهزون رؤوسهم طرباً بالأناشيد الدينية.

اقترب من دارها أكثر ..تسارع النبض بداخله وكأن خيول الأرض تسكن قلبه الآن ..قرر أن يفعل ما لم يستطع فعله قبل سنين ، سيطرق الباب هذه المرة ..وحين تخرج له أمها سيحييها بثقة ويخبرها أن الدين ليس عائقا .. وأنه حاول في غربته أن يجد شعورا آخر يشغله دون جدوى ، و سيقول لها أن سبب صراع الحضارات الآن هو أن الدول العظمى تعتبر أن الحب مجرد فكرة مراهقة وغير ذات جدوى اقتصادية وأن برميل النفط تجاوز السبعين دولاراً وهو ما يتحقق بالحرب لا بالحب.. سيهمس في حنان أمومتها : لو أوقدنا مصابيح القلب لما تهنا في عتمة الصراع ..

كانت الشمس اللاهبة تصفع حلمه فاستفاق كغصن هامد حركته الرياح بغتة .. ثمة فتاة تخرج من الدار يتأبطها طفل يشبهها ..اقترب منها ..كادت أن تصرخ من الدهشة وكاد أن يقفز عشقه من بين ضلوعه لشدة النبض ..نظر إلى الطفل ثم إلى ظلمة عينيها :

-       مبروك

-       .........

مضت بعيداً كقمر تركته الرواحل ذات جفاء.. كانت تغيب إلا من التفاتة متكررة إلى الوراء.. كان يدرك أنها لن تستطيع فعل أكثر من ذلك همست له بتردد :

-       أنت تعرف أن زواجي هو زواج كاثوليكي..

-       أعرف ولكن ماذا عن الذي كان بيننا

-       حلقت عيناها إلى أقاصي الفضاء وكأنها تقطف الإجابة من عناقيد النجوم : "بإمكانك أن تقول إنه .. حب كاثوليكي" !

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 

 

الاهداءات .. تفعل ما تفعل !

الذين تركوا لنا إهداءاتهم على أول صفحة من كتبهم ، زرعوا في مكتباتنا شجرة من ورق الكتابة ومضوا.. كلما اشتد هجير الزمان تفيأنا ظلالها.
أحيانا نتسلل إليها خلسة ..نقلب حروفها ..ننبش سطور ذاكرتها ..ندرك أن ثمة عبارات كتبت خصيصا لأجلنا ، وفصلت على مقاسات وجدنا ، فيشمخ غرورنا لحظة.. نتحول إلى زعماء عرشنا الورق الذي بين أيدينا ورعيتنا الكلمات التي نقرؤها ..وحينها نحن أحرار في ان ننصفها أو نظلمها .. نعتقلها او نطلق سراحها .. ألسنا عشاق من العالم الثالث!
الاهداءات التي نتسلل اليها على غفلة من أعين المكان ..نمسح كلماتها بعيون اشتياقنا .. نوهم أنفسنا اننا سنقرأ الكتاب .. لكننا نتوقف طويلا عند السطر الاول من الاهداء نتهجى لون الحبر ونقيس بأعيننا الساهمة المسافات بين الحرف والحرف ..ونؤلف الحكايا الصامتة ..فتتحول الصفحات بين أحداقنا الى عالم من السحر : سماء ملبدة بغيوم تسبح في سديمها كائنات بأجنحة حريرية ، وعربة تجرها غزالات الوقت فتطير على المدى ..وتتأرجح في زرقة الفجر مثل انحناءة خجولة بين ورتين على شرفة قصر مهجور.
تلك الاهداءات .. هي المناديل التي نحتاج اليها لنكفكف بحنانها دمعنا المتكئ بحزن على عتبات الأهداب .. وهي تلك التي نعود اليها حين نحتاج الى البكاء.
هي التي وان قرأها الجميع الا انها تستعصي على  فهمهم وتتمنع على ذكائهم، فلا احد سوانا يفك حبرها لانها كتبت لنا وحدنا من دون الخلائق .. لذلك فانها تتحول في لحظة الوجد الى نجمة حين نلامسها تصبح الصفحة الأولى من الكتاب أريكة اسطورية الملامح، تستلقي فوقها الكلمات كحسناء من الامس مزركشة بخيلاء الديباج وبين حاضرتها طواويس الزمان وحولها تعزف الجواري لفارس سيحمل بين كفيه ريحا تطفئ فوانيس السهر.
هناك في مكتباتنا أحباب نخبئهم بين السطور والأوراق.. نعود اليهم كل حين لنسامرهم ..ونتقاسم معهم ليلنا الغافي على ذكريات لن تعود..نعرف انهم الان ليسوا لنا و ان اسطرهم مجرد وهم من حبر قديم .. وانهم في هذه اللحظة ربما هم يتناولون فرحهم في مكان  اخر بعيد .. تاركين لنا كل هذا الحزن والذكريات والصفحة الأولى من الكتاب.. والألم ..
بعض الاهداءات رسائل حب سرية !