free web hosting | free website | Business Hosting Services | Free Website Submission | shopping cart | php hosting

دير الزور تتكلم

(الحلقة الأولى)

بقلم: عدنان فرزات         

((إهداء: إلى جناحيها وهي تمضي نحو المدرسة كطاؤوس الأساطير..أحمل مدينة كاملة على ورق الكتابة وأسكبها حبراً في حضرتها حيثما تكون الآن .. إليها وهي تجر النجوم بمشيتها ثم تقف على نافذة الأمس .. تنظر في ساعتها وتمسح زجاج الوقت لتراك حين تعبر في الهزيع الأخير من الليل حالماً بإطلالة من عينيها تكفي زاداً لهذا العمر المقفر من الأحباب)).

****

بعيداً وراء نهر من الذكريات كانت القوارب التي تبحر فوق الفرات تكتب سطرا على صفحته ثم يأتي موج الأيام فيمحوها ..وهكذا تتعاقب السنون ولا دفتر يدون حكايا المدينة الموغلة بالأمس بصمتها الموشح بحزن شفيف..

في أقصى الشرق السوري حيث الشمس تعكس عصبيتها اللاهبة على الطبيعة البشرية تستلقي أنثى سمراء اللون على هيئة مدينة ..ضفائرها من أشجار ((الغَرب)) المنسدلة على ضفاف النهر يسرحها بمائه ويخضبها بطين حنائه.

كان المكان طفلا وكان من العار على الطفل هناك أن لا يكون رجلا، حيث الإسفلت الساخن فيها لا يرعب الكعوب الطرية التي تتسابق لركل كرة من قماش..وحده العيد كان فرصة ليتوسد الصبي حذاءه الجديد ثم يصحو باكرا بجفنين لم يغفيا فيتوجه إلى المسجد الحميدي والذي سمي كذلك نسبة إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ولكن لا أحد هنا يهتم بهذا التاريخ كثيرا سوى أن الليبراليين يعتبرون أن المسجد ليس صك غفران للعثمانيين الذين أغرقوا البلاد بالجهل.. بينما يستخدمه الإسلاميون كدليل على وجهة نظرهم بأن العثمانيين كانوا تقاة..أما الحكومة فكانت ترى فيه مكانا مثاليا للوحدة الوطنية وتحديدا في الأعياد حيث كان القساوسة يدخلون المسجد ويجالسون المسلمين صباحية العيد .

المدينة كانت ديرا للعبادة حتى أن شكلها عند المساء تبدو كناسكة في حالة خشوع تضم كفيها بابتهال بين يدي الرب، وحين يعدو الفرات بين مفرق شعرها الأسود تورق المدينة بزنار عشقها الأخضر ..وتتهادى في مشيتها كبلابل النهر الشهيرة ..

يقول الماء: العصافير لا تطرب وهي في الأقفاص إذ يصبح صوتها حادا وجارحا، أما الطبيعة فتمنحها التوازن الطبيعي لانتشار الصوت .أهل المدينة لا يحبون الأقفاص لذلك يصنعون فضاءاتهم وان كانت ضيقة أحيانا .. فالمقاهي تلتهم معظم أرصفة المدينة وتلتهم معها أوقات الناس لذلك فالغرباء يصبحون أكثر ثراء من أهالي المدينة في غالب  الأحيان، فعندما ظهر النفط في المدينة أواسط الثمانينات كان المقاولون الذين حضروا من محافظات أخرى أوفر نصيبا في اقتناص الفرص كتوريد الطعام والخدمات لشركات النفط الأجنبية وعدد قليل من العوائل الديرية استفادت من تلك المرحلة، حتى باعة اللبن والسوس والمهن البسيطة أصبحوا بعد فترة من أصحاب رؤوس الأموال... مدينة تهب مكنوناتها للغرباء بسخاء... ناسكة تضم كفيها بخشوع ... وزمن يأفل كل حين تاركا إياها للنسيان ...

على مشارف الأمس لا يمضي إلى الهزيع الأخير في الشوارع النهرية من الليل سوى الثملين بعشق الفرات... المقتدرون منهم يجلسون في مطعم ومقهى يسمى بلهجة أصحاب المكان ((الجرداق)) ويكون عادة ملاصقا لضفة النهر وبلا جدران سميكة،  أما العامة فيكتفون أن يملأوا سعادة قلوبهم بزوادة الطعام وإبريق الشاي الغامق وورقاً للعب ... ذاك ما يحمله أهل المكان إلى الشاطئ حيث الزمان الأزلي يربط بين المدينة ومائها ارتباط الروح بارتعاشة الحياة ... وفي منتصف النهار ينهي الشباب أعمالهم فهناك من يذهب إلى المنزل ليمضي قيلولته ((يقيّل)) بلهجة أصحاب المكان، وبعضهم الآخر يختار الشاطئ ليمضي هذه القيلولة حيث يقيمون ما يسمى بـ ((السيباط)) وهو عبارة عن جلسة رملية يعلوها سقف من سعف النخيل او أغصان الأشجار ولاستحضار المزيد من البرودة في أيام الصيف القائظة فإنهم يتفننون في صنع ((السيباط)) بطريقة هندسية بدائية وذكية بآن، حيث يحفرون الشاطئ بعمق متر أو أكثر بقليل ليكون له ثلاثة أضلاع من الجانبين والخلف، ومفتوح من الأمام ثم يسقفونه بالطريقة نفسها ... كان جسر ((الجورة)) متنفسا رائعا للسباحة وكنا في أول العمر أكثر جرأة من منتصفه حيث نقف على حافة الجسر لنلقي بأنفسنا بالنهر الذي لم يعد ممكنا الآن بسبب اضمحلال مياهه... ولمن كان لا يجرؤ على القفز فإن الآخرين يمسكونه من يديه ويلقون به ليغوص عميقا  هناك  حيث يذوب الخوف بالماء حتى يتلاشى... 

****

ويظل النهر يجري وتظل النساء الحالمات بأمنية يأتين إليه حاملات قطعة صغيرة من الخشب وشموعاً يسمونها شموع الخضر يثبتنها فوق الخشبة ثم يشعلنها ويطوفنها فوق النهر بعد أن يهمسن في سرها أمنيات لا أحد يعرفها سوى صاحبها ... كنا نرقب ذلك أحياناً ونلمح النهر وهو ينظر بعجز إلى صاحبة الأمنية ربما تمنى لو سار على قدمين من ماء أو حلق بجناحين من طين الشاطئ وطرق باب السماء بنفسه مبتهلا أن يتفسر حلم تلك الصبية التي جاءته ذات يوم شتوي عاصف ماطر حاملة شموع الخضر ... إذ انحنت فوق النهر هامسة في سره بضع أحلام أو أمنيات أو خطايا... كانت هناك عدة طقوس للنذور عند الأهالي في حال تعرضوا لمحنة مرض او عشق أو نجاح أو عودة غائب ... ومن هذه الطقوس أنهم كانوا يلفون الخبز بالبصل مع قليل من الملح ويضعونه في أحد زوايا مكان مهجور، وكانوا يصبون مادة الرصاص فوق رأس المريض الذين يعتقدون انه مصاب بالحسد،وكثيراً ما كانت تظهر بعض التشكيلات في الرصاص المذاب بعضها على شكل عين فترتفع صيحات اليقين بأن المريض كان مصاباً بالعين .

****

كان للأحزان طقوس مبجلة وثقافة خاصة فسواد الثياب قدر يلازم النساء اللواتي يتوفى أزواجهن،  وتتحول سرادق العزاء النسائي إلى حضرة لتعذيب النفس  واللطم والضرب على الصدور وشق الثياب، بل لم يكن يكتفى بأهل الميت للبكاء عليه فكانوا يستأجرون امرأة خاصة لهذا الغرض تسمى بـ ((الندابة)) وهي التي تنوح عادة بأجر وتقصد القصائد المدرة للعويل والصراخ ومن بعض العبارات التي كانت ترددها النواحة على الفقيد باللهجة العامية :

جيبوا دوا الحلوين شرب الطاسة

                                   عثت هدوم الجوخ يا لباسة

أي أن ثياب الجوخ الفاخرة أصابها العث و لن تجد بعد الآن من يلبسها، لأن ثوب السواد سيحتل الجسد ما تبقى من العمر، وكان من العار أن تخلع المرأة سوادها ولكن من الممكن بعد وقت طويل جدا ان تستبدله تدريجيا بلون أخف كالبني الغامق.

من الطقوس الأخرى التي كانت سائدة في سرادقات العزاء قص المرأة الثكلى لضفائرها تعبيرا عن تخلصها من كل مظاهر الجمال من بعد زوجها، وكان النسوة يشتهرن بتطويل شعورهن وتضفيره وتطييبه حتى إذا ما جاءت لحظة الحزن الأكيدة استلت الأرملة ضفيرتها ثم جزتها بمقص على مرأى الشهود ومن النسوة اللواتي يعلو عويلهن في مشهد جنائزي مرعب...

****

الحزن كان سمة يلف المدينة ولكن السيدة هدايات أو أم قدّور ذات السبعين حزناً من السنين...  كانت المرأة الأكثر وجعاً ... الأكثر إيغالا بالألم... فخلف باب حديدي أسود، هو الآخر، كانت تمضي الساعات جالسة تمسح حزن عينيها بخطوات المارة وتحاول جاهدة أن تسقط من ذاكرتها أوجاعاً غرسها الزمان بقلبها فقد توالت عليها الكارثة تلو الأخرى وكأنها على موعد مع الفجيعة... مات زوجها ثم هاجر ابنها البكر إلى غير عودة ثم قتل ابنها الثاني في ظروف غامضة ولم يتبق لها سوى ابنة واحدة ما لبثت أن طلقها زوجها ففقدت عقلها وكانت تصاب بنوبة جنون مباغتة فتخرج إلى الشارع تمزق ثيابها وتصرخ حتى يتجمع المارة متفرجين على مسلسل من السباب والشتائم... ولكنها في مرات أخرى كانت تبدو هادئة رزينة بمسحة لا تخلو من الجاذبية والوقار... كانت أمها هدايات قبل أن تحصل لها كل هذه الفجائع مديرة لمدرسة ابتدائية ويقال بأنهم من أصول تركية وفدوا إلى المنطقة منذ زمن بعيد واستقروا بها ... كان ليل السيدة هدايات يتحول إلى سديم من الفجائع... حيث الوحشة تلف البيت القديم والذي لا أحد يعرف تفاصيله من الداخل، وفي النهار كانت أم قدّور (نسبة إلى ابنها الكبير عبد القادر والذي كان لقبه قدّور) تستيقظ باكرا ثم تجلس خلف الباب الذي تتركه موارباً و تحدق بالعابرين بعينين كأنهما مغارتان قديمتان نسجت الأهداب فوقهما آثار فجيعة عتيقة ... الصمت المطبق والوحشة والغموض سمات التصقت ببيت أم قدور الذي يقع في حي مثير للدهشة و الجدل، فهو حي استمد شهرته من اسمه اولا : حي ((الكجلان)) وتعني في لهجة أهل المكان الأشخاص الذين لا شعر لهم او شعرهم كالمصاب بالثعلبة، وقيل أن ساكني الحي سموا كذلك في الزمن القديم لكثرة ما يدخلون السجن من جراء المشاكل والشجارات المتواصلة مع الآخرين فتحلق رؤوسهم، ولكن آخرين يقولون بأن الحي سمي بهذا الاسم بسبب عائلة مصابة بتساقط الشعر سكنت في الحي من زمن بعيد ثم رحلت عنه بعد ان تركت له اسمه ... وللحي اسم آخر اكتسبه أيضا من السينما التي فيه وهي سينما ((فؤاد)) التي كانت تعرض أفلاما للممثلة إغراء ومحمد جمال ورفيق السبيعي  غالبا، وكان أحد العاملين في السينما ويلقبونه ((عمّوري)) يدخل الناس بنصف القيمة الحقيقية للتذكرة أو حتى بربعها وذلك بعد أن يكون الفلم قد مضى على عرضه زمناً طويلاً وبعد أن يكون موظف التذاكر الأساسي قد غادر السينما.عموري كان نحيلاً أسمر بعين واحدة ولا أحد يعرف له أهلاً أو أصحاب سوى أهالي الحي الذين يرشيهم أحيانا بالدخول المجاني إلى الفلم مقابل قطعة حشيش أو زجاجة خمر، وفي الليل كان لا احد يعرف أين يذهب عموري وظل الأمر لغزا إلى ان اكتشف أحد أهالي الحي بأن الرجل كان يعمل ليلاً بغسيل الملابس الداخلية لبنات الهوى في مكان كان مخصصًا لهن في أطراف المدينة قبل أن يأتي أمر بإغلاقه ... واكتشف أهالي لاحقاً الحي أن الكثيرين منهم كانوا يعرفون مكان عموري الليلي ولكن لا أحد يفضح نفسه عن المكان الذي شاهده فيه.

في ركن آخر من الحي كان يوجد محل أبو عصام لبيع الخمرة وفي زاويته يجلس مجموعة من شباب الحي أحدهم وكان يدعى علي وهو يتمتع بقوة هائلة وجسد ممتلئ ويتسم بشجاعة نادرة ولكنه دفع حياته ثمناً لشجاعته فذات نهار صيفي ساخن توجه مع مجموعة من أصدقائه إلى النهر للسباحة كالمعتاد فنشب شجار بين شاب كان برفقته وشاب آخر فتدخل علي لصالح صديقه (وكان دائماً يفعل ذلك) فما كان من الآخر إلا أن سحب مسدسه بهدف التخويف وراح يطلب من علي ان يتراجع وإلا أطلق النار عليه ولكن علي استمر في تقدمه كآلة حربية ضخمة مستهزئاً بالتهديد وأدرك حامل المسدس أنه لو وقع في يد علي فلن يفلته إلا مضرجاً بالكدمات وحين اقترب علي أكثر ولم يعد من فسحة أمام حامل المسدس للهروب ضغط على الزناد لينهي بذلك حياة أسطورة من الشجاعة وليخسر الحي أحد أهم ركائزه الدفاعية في مواجهة أي مشاجرة، ولكن ظل ثمة أشخاص غيره لا يقلون شجاعة عنه وخصوصاً شقيقه حميد الذي كان الناس يحسبون له ألف حساب على الرغم من قصر قامته، على عكس أخيه، إلا انه كان شجاعا أيضا وتهابه الرجال . الحي اشتهر بشجاعة أفراده وبأسهم الشديد حتى أن رجال الأمن أنفسهم كانوا يحسبون حسابا لهذا الحي وكان عليهم إذا مروا به أن يعدلوا من مشيتهم ولا يلتفتوا إلى امرأة ولا يتحدوا شاباً بنظراتهم، فذات مساء كان مجموعة من أفراد الأمن تتراوح بين الثلاثة إلى أربعة أشخاص بلباسهم المدني يعبرون الشارع فاصطدموا بأحد الشبان هناك وكان يشتهر برأسه القوي وقد تمكن من أن يطرحهم أرضا بمفرده .

في أواسط الثمانينيات انتشر التيار الديني بقوة جارفة، وبدأت التحولات الكبرى وتدين الكثير من هؤلاء الشبان وهجروا فجأة حياتهم اللاهية ليطلقوا لحاهم ويتدينوا إلى درجة التشدد، كانت الحرب الشيشانية الروسية على أشدها وتأثر المتدينون الجدد كثيرا بتلك الأحداث، وفي إحدى خطب الجمعة في مسجد بمنطقة ((العمال)) التي كان يلقيها شاب يدعى الشيخ صالح -وهو من الذين تحولوا فجأة آنذاك من حياة لاهية إلى التدين- أطلق العنان لحماسته متحدثا عن معجزات كانت تحدث للثوار الشيشان وكيف أن مجموعة وقعت بالأسر وقبل تنفيذ حكم الإعدام بهم جاءت قوة غامضة فأنقذتهم فالتهب حماس المصلين وكان بينهم صديق للشيخ رافقه في جاهليته الحمراء وتدينه يدعى جابر وقف غاضباً ليحرض لناس على القيام بمظاهرة ولولا أن هدأ المصلون من روعه وامتصوا غضبه لكان من الممكن أن تحدث كارثة حيث كانت روسيا (أو الاتحاد السوفييتي السابق) هي الحليف الأول لسورية ... يومها كانت الولايا ت المتحدة تسمي المقاتلين هناك بالمجاهدين... و كان منزل جابر مجاورا لمنزل لأم قدور وقد سافر لأداء الخدمة الإلزامية لكنه عاد بعد فترة جثة في تابوت خشبي وكانت وفاته غامضة كما يروي أهل الحي الذين قالوا بأنهم لم يحملوا نعشاً أثقل من نعشه، حتى أن بعضهم شكك في ان يكون جسد بشري داخل النعش و قالوا ربما أن حجارة وضعت وأن لا وجود أصلا لجثة!...

****

أصوات المآذن تجذب إليها خشوع المصلين...  أجراس الكنائس تضفي على المكان جواً رهبانياً وذلك عبر ثلاث كنائس تتواجد في الحي...  وضمن هذا الجو المتدين كان السكارى يحملون زجاجاتهم ويغيبون ... كل ذلك في حي يحمل كل التناقضات...  المتعايشة بانسجام أليف... وفي هذا الحي عاشت السيدة هدايات.

****

ذات صباح هادئ استيقظ الناس فجأة على قطعة قماش بيضاء معلقة على الحائط المقابل للسيدة هدايات وهو حائط السينما كانت اللافتة مأخوذة من كيس طحين أبيض وبخط ليس متقنا كتب عليها : ((انتخبوا ام قدور))!

كانت الانتخابات النيابية قد بدأت في المدينة، وكانت اللعبة أكبر حتى من الكبار أنفسهم، وكثيرون يتهيبون الولوج في خضم هذا المعترك السياسي الذي لا يخلو من المصالح والفساد والاعتبارات الأخرى ... لذلك أخذ الناس موضوع ترشيح السيدة هدايات كطرفة مجنونة في مسلسل الجنون والغموض الذي يكتنف حياة المرأة ... هذا ما كان في اليوم الأول من قراءة أهالي الحي للافتة ... في اليوم التالي فوجئ الناس بسيدة الحزن والسواد تفتح الباب الذي ظل دهرا مواربا لتخرج خاطبة بالناس خطبة بليغة ذات تأثير شديد، عزفت فيه على وتر التهميش الذي تمارسه المحافظة على الحي بل وعلى الدير بشكل عام، ثم تعرضت للأوضاع المعيشية والظلم والاضطهاد... وقال بعضهم مازحا إنها وعدت الحشاشين بتوفير الكيف لهم.

حاول المحافظ أن يمنعها من الترشيح بحجة أنها مجنونة فذهبت إلى مبنى المحافظة مستنكرة حتى انتزعت حقها بالقوة بأن لا شئ يمنعها من الترشيح وتحدته أن يثبت جنونها وهددته بشكوته إلى السلطات العليا فامتثل من فوره.

وبين الهزل والجد تفاعل الناس رويدا رويدا مع ترشيح أم قدور وتبنى قبضايات الحي و((الحممجية)) والحشاشون والسكارى والفقراء قضية أم قدور وأخذوا على عاتقهم الحملة بقوة

وبعد أيام وجد مثقفو الحي إن ثمة عوامل يمكن أن يساندوا فيها أم قدور منها ما هو نكاية بالحكومة التي تتدخل بالانتخابات ومنها ما هو نكاية بالمرشحين الأغنياء والانتهازيين الذين كلما وصلوا إلى مقعد البرلمان وسافروا إلى العاصمة دمشق نسوا وعودهم .

اشتد وطيس الحملة ... وأصبح الذين كانوا بالأمس  يسخرون من السيدة هدايات ولافتتها القماشية، يتسللون إلى منزلها تحت جنح الظلام طالبين التحالف معها ... وغالبا ما كانت ترفض...

بدأ قبضايات الحي يؤلفون الأهازيج الخاصة بحملتهم الانتخابية وشكلوا لجنة خاصة تقود هذه الحملة، وكان من المنافسين لأم قدور شخصان أحدهما كنيته عزاوي والآخر جيلات فكانوا يقولون ((لا عزاوي ولا جيلات إلا تنجح هدايات)) و أيضا كانوا يقولون : ((لا سيارة ولا حنتور إلا تنجح أم قدور))...  وبدأ الصراع السياسي الخفي بين الشريحة الشعبية المسحوقة وبين السلطة...

 القصيدة الأولى

مرت كطاؤوس هارب من أساطير الزمان... بشعرها الفاحم المتجعد وعينينها الداكنتين مثل نافذتين للتو أطفئ الضوء فيهما بعد أن حكت الأم لطفلتها حكاية الأميرة الصغيرة ... مرت وتركت في قلبه ألف قصيدة ... لم يكن يعرف الشعر قبلها ... قرأه في بقايا خطواتها على رمل الطريق ... أكملت سيرها كنخلة شرقية تتمنع رطبها عن التساقط ... هز جذع أحلامها فتبسمت ... سألها عن اسمها فرمته بحراب هدبيها...  وقبل أن تتوارى في الظلام... لمع صليبها في العتمة، جاءت كنائس الأرض إلى كفيه طائعة ... دقت أجراس الوله بداخله وما زالت ترتجف كلما أورق غصن من الذكريات في المدى البعيد... يعرف أن الدين سيقف حائلا بينهما، وإن كانت المدينة قد شهدت من قبل عدة زيجات بين مسلمين ومسيحيات.

استل ورقة كتب فوقها : ((في صلاة النسك كوني راهبة للعشق))... أدرك منذ الوهلة الأولى أن مستقبل هذا الجسر الذي حاول بناءه مجرد وهم لكنه كان جسرا قويا كسنديان العشاق البريئين... توقدت كلماته من يومها ... رد عليه مسؤول القسم الثقافي في جريدة الفرات والتي أرسل إليها القصيدة باسم مستعار و كانت هي الصحيفة المحلية الوحيدة يومها ... رد عليه

بأن قصيدته تنبئ بشاعر سيكون له شأن ... حينها وضع جناحين من ورق وحلق ثم حط عند بابها...  مر ذهابا وإيابا لعل التفاتة من نافذة المساء تلوح منها ... كان البيت الكبير يزهر كلما لامست نظراته هاتيك الجدران لتتفجر من خلالها عروق الورد الشوكي ... لم تكن تعرف أن ثمة قلبا يخفق في الخارج لأجلها... وأن ثمة شاعراً يتشكل في قبيلة الحي أيضاً لأجلها... قال لها تمشين كطاؤوس الأساطير تبسمت  قالت له بصوت مرتعش هو مزيج بين طفولة آفلة ومراهقة مقبلة: ((وأنت كذلك)) ثم أغلقت خط الهاتف... كان يكفيه هذا الوميض دهرا ليكتب قصائد أخرى ... في المرة الثانية سألته :كيف حصلت على رقم الهاتف ؟ أجابها قطفته من آخر غيمة عبرت صحراء المدينة...

((اعرف انك تحطين فوق أوراق ارتحالي كطائر غريب ... واعرف انك تنسلين بعيدا كماء الصبح فوق زجاج الجنائن حين يباغتك الوجد))... كتب لها فوق الورقة ثم غاب في الزحام.

جاء الليل حثيثاً مد جناحي ظلمته على الشارع الضيق والمتعرج ... عاود المرور مرة أخرى من أمام البيت...  تكفيه حجارة المكان لكتابة قصيدة ...  دائما نرضى باليسير ممن نحب ... التفاتة تكفي لكتابة ديوان من الوهم... نافذة السهر تسكب في الروح بلادا ومدنا وعربات ليلية تحمل أشباحا ومرايا وزيتوناً وأكاليل عرس وأميرة حسناء خطفها الساحر ...

نرضى باليسير ممن نحب... شمعة الميلاد الذائبة ... شجرة معلق فيها ورد الأحزان وأجراس النحاس ... المذبح الذي بداخل الكنيسة وتعميد طائر من ذنوبه ... تجلس أمام الأب تحكي حبها يتأثر الأب ويمسح ليل شعرها بماء الجنة ...

نرضى باليسير ممن نحب ... نجمة على باب الدار معلقة بفضاءات الكون الفسيح ... قطة تمسح فروها بجدارن المنزل الذابل ...  قطرات مطر تتساقط من سقف غرفة خشبي قديم... شباك عتيق وعصفورة بللها مطر اليدين الضالعتين بالحياء ... إيماءة زرقاء على البعد ومنديل معلق على الجدار وأيقونة في جدار الكنيسة صامتة من زمن مضى...

نرضى بالقليل ممن نحب... غصن ليمون هارب من غفوة الدار إلى الخارج...  هي لن تستطيع أن تفعل مثله ستعيدها أمها وتجرها من أوراق اخضرارها إن فكرت بالزواج منه... لذلك كان هو... يرضى باليسير ممن يحب.

بدت وهي تطل من السطح كسحابة برق ... لم يقرأ وجهها في العتمة لكن عينيها أومضتا برسالة موجزة... أكمل سيره نحو الجموع المحتشدة أمام بيت أم قدور التي كانت تقف مثل كائن أسطوري صامتة الشفاه صاخبة الملامح والأحداق... غداً موعد الانتخابات وجمهور هدايات يتزايد صمم الناس على انتخابها ... كانت رمزاً لكبت دفين ... لصرخة موءودة لحلم غارق في المستحيل... كثيرا ما يفسر المغامرون أحلامنا التي لا نجرؤ على تجسيدها بأنفسنا،لذلك نعجب بهم ونصفق لنجاحاتهم ولكن إذا وقعوا ننفض من حولهم بانهزامية جبانة، ندعهم يسقطون أرضا وقد نلومهم أيضا على تهورهم!.

في الشارع المجاور كانت أهازيج الحملة الانتخابية يرتفع صوتها ... مجموعة من شبان الحي أضاؤوا الليل وأطلقوا الطبول والمزامير والهتافات بحماسة منقطعة النظير ... كان ثمة شئ دفين يخرج مع الأنفاس اللاهثة... كان كبتا مديداً تزفره هذه الشريحة بإصرار عجيب... جاء التلفزيون ليصور هذه اللقطات النادرة ...  سيرة جديدة

كانت توازنات النجاح في دير الزور عجيبة وغامضة أحيانا وغير منطقية في أحيان أخرى فالريف يلعب دورا كبيرا في ترجيح كفة مرشح على آخر لذلك على المرشح أن يتوجه إلى أطراف المدينة لحشد الأصوات لصالحه ... ربما أن هذه هي الثغرة الوحيدة في الحملة الانتخابية لهدايات فلم يحسب القائمون على هذه الحملة حساب الريف وركزوا على المدينة التي أعطت أصواتها بصدق وبغزارة... كانت الصناديق تبدو مريبة وهي تلفظ ما بداخلها من أوراق ... كان الكثيرون يشكون في نزاهة الانتخابات وخصوا تلك التي تأتي من الريف البعيد... أفرغ الصندوق تلو الآخر وهدايات تترقب بعينين قدت من صخر الشقاء ... رويدا كان الحلم يخبو ... رويدا كانت الصناديق تكذب وتتحول في أنظار الناس إلى خشب بال بالكاد يصلح لمدفأة كسلى في الشتاء ... تعثرت أم قدور ولم تسقط...  (قال أحد المثقفين في الحي) ظلت شامخة كجذع نخلة في احد شوارع النهر الواصل إلى البساتين، عاندت مجتثيها ذات احتطاب فتركوها منتصبة في وسط الطريق.

عاد الباب في بيت أم قدور مواربا... وعاد السواد يلف المكان ولا صوت يهتف للحرية سوى عينين ضالعتين بالوحشة... والأنين.

 

الجسر المعلق في لقطة نادرة أيام الجفاف

 

 الجسر العتيق

يستلقي مدنفا بين ضفتين من النهر ... شيخ طاعن في الزمان يمد جسده الحجري كي يعبر الناس فوقه من ساحة في وسط المدينة الى منطقة تدعى ((الحويقة)) وهي شبه جزيرة يباعد النهر بينها وبين قلب الدير لكن الجسر يعقد صلحا بين المكانين، ومنذ الساعات الاولى للصباح تبدأ خطوات أهل القرى تجتازه حاملة الاجبان والألبان والبيض وغيرها من منتجات الريف .على الضفة الأخرى يقع بيت المحافظ ودار المعلمات ...

كان صيادو الأسماك يضعون في مياهه خيوطا لصيد تسمى ((البلوع)) وهي عبارة عن خيط طويل يوضع في طرفه سنارة وفيها طعم عبارة عن سمكة صغيرة أو قطعة لحم تجذب الأسماك إليه ثم يربط الخيط في الصخور أسفل الجسر ويتركها صاحبها ثم يرجع إليها في وقت آخر من النهار لعل سمكة تكون قد ابتلعت الطعم... وهناك طرق أخرى في المدينة لصيد الأسماك منها الديناميت،  ولكن هذه الطريقة كان تستخدم غالبا خارج نطاق المدينة أو في الشواطئ المهجورة وقد كان الصيادون المحترفون يجهزون النهر قبل ليلة بأن يضعوا عند الضفة بطيخة حمراء أو بقايا دم ليتجمع السمك حولها ثم يضربونه بزجاجة من الديناميت ... ولكن هذه الطريقة لا تخلو من مخاطر فقد فقد أصيب اثنان من الصيادين كانا قد أشعلا فتيل الديناميت وهما في حالة غير طبيعية ثم انشغلا عن إلقاء الزجاجة بسمكة صغيرة كانت تقفز فوق سطح الماء لتأكل من قشر بطيخ كان يطفو فوق الماء ... وأمام هذا المنظر نسي الصيادان أن فتيل الديناميت كان قد تجاوز عنق الزجاجة باتجاه المادة المتفجرة، فكان أن فقد أحدهما بعض أصابع يده والآخر جزءا من بصره.وهناك طريقة ثالثة يستخدم فيها الصيادون أسلاك الكهرباء،  فيثناثر السمك منتفضاً ... وهي أيضا لا تخلو من الخطورة

ذات فجر استيقظ الناس فلم يجدوا الجسر العتيق ... ذهول مشوب بالحزن يلف المدينة والأنظار الثكلى ترثي حجراً عمره مائة عام فقد بني الجسر على حسب بعض الروايات عام 1890، وعلى الرغم من أن أحدا لم يصب بأذى الا أن الطريقة التي انهار بها الجسر كانت مأساوية، فقد أرادوا أن يضيقوا مجرى النهر بعد أن ضحلت مياهه فحبسوا مرور النهر من تحت قنطرة واحدة للجسر ريثما ينتهون من تضييق المجرى في بقية القناطر ولكن الماء كان أقوى مما يتخيلون فجرف معه الجسر غاضبا لتنقطع بذلك المهجة التي كانت تصل ساحة المدينة ببساتينها البعيدة وصحيح أنهم بنوا جسرا بديلا الا انه ليس بشاعرية والأول ولا بوقاره ... الماء لا يحبس... له لون الحياة وعنفوان الشمس وغضبة الانعتاق... كان الجسر هو الخطوة الأولى التي توصلك الى جسر أكثر أهمية وروعة في التصميم والبناء ... هو الجسر المعلق والذي بناه الفرنسيون، وكان أعجوبة زمانه كونه معلقا بأكبال حديدية شكلها مخيف ويقال ان الناس للوهلة الأولى تهيبوا من استعماله والمشي فوقه مما اضطر المهندس الفرنسي الذي صممه أن يركب بقارب هو وعائلته ثم يجلسون تحت الجسر بينما السيارات تمر على الجسر حتى اطمأن الناس وصار تحفة فنية ... وان أغلق اليوم أمام السيارات إلا انه ظل معبرا شاعريا للناس بين المدينة وبساتينها والقرى المتناثرة على الضفة الأخرى... الجسور مهج حجرية نطؤها بأقدامنا لكنها لا تمتنع عن إيصالنا إلى الضفة الأخرى من الحياة... هناك حيث الاخضرار يعلن سطوته حول كلية الزراعة وهي اول جامعة تفتح في دير الزور وبجانبها كانت تقام المعسكرات الجامعية ... كان بعض الطلبة يتسللون من المعسكر ليلا إلى بيوتهم عبر الأسلاك الشائكة والطرق المكتظة بالأشواك ثم يعودون من الصباح الباكر ... كانت رحلة الذهاب والإياب أقسى مما لو باتوا ليلتهم بالمعسكر ولكنها الرغبة في التمرد ولو ضمن هذا النطاق المحدود.

الدروب الخضراء والتي ينتهي مداها عند سكة القطار ترسم لوحة فوق أوراق الجنان... القطارات لم تكن مزعجة لمن يريد ان يحلم بلحظات مسافرة سواء نحو حلب في الشمال او الشرق حيث الحسكة والقامشلي... كانت العربات الليلة أكثر حزنا لمعلمة غادرت أهلها من مدينة في الغرب متوجهة إلى أقصى الشرق ... كانت ترمق وجهه المنعكس على زجاج نافذة القطار. لكنه لم يلتفت كان غارقاً في العتمة يرسم أيقونات شاهدها معلقة على جدران الكنيسة حين دعاه الراهب إلى زيارتها قال له حينها بعينيك الزرقاوين وشعرك الأشقر تبدو قديساً...

عجلات القطار تلتهم المسافة المتبقية إلى دير الزور في الرحلة القادمة من حلب... ما زالت المعلمة الصبية ترمق وجهه المنعكس على زجاج نافذة القطار ... تنبه إليها بغتة كمن كان في بمفرده في غرفة ثم وجد نفسه هو وغرفته وسط السوق... تعثرت عينيها وهي ترتد بسرعة هاربة من وجهه إلى الأرض ... سألها بفراسة كان يتميز بها:

-       أراهن أنك من مدينة حماة

-       صحيح

-       هل أنت معلمة

- (ابتسمت) ... وهل أنت رجل أمن ؟

-       حاستي السادسة أو ((التلباثيك)) متيقظة إلى حد ما

-       ماذا تعمل؟

-       طالب

-       تبدو شارداً بعمق؟

-       هذا سؤال مراهقين

لم يدر كيف قال ذلك ...  حاول الاعتذار ولكنه انتظر للحظة كي يرى ردة فعلها ثم بعد ذلك يقرر... وحين اطمأن إلى أنها تلقت الكلمة بنوع من الدهشة المشفوعة بابتسامة قرر التمادي في لعب دور الشاب الجرئ :

-       مساؤك براري مورقة بشقائق النعمان

-       ماذا لو نهرتك الآن وتسببت لك في إحراج أمام الناس؟

-   ستكونين أنت الخاسرة تجف أذناك دون أن تسمع ربيع كلامي... وستذوي عيناك قبل أن تمطر فيهما قصائدي... أعرف ردك مسبقاً ستقولين مغرور أليس هذا هو الرد التقليدي للفتيات حين يفقدن سلاح الرد.؟

-       وما أدراك قد أكون شاعرة أكثر منك...

-       لا أعتقد...

-       ومن أخبرك...

-       الجميلات لا يكتبن الشعر لأن أهدابهن تقوم بهذه المهمة.

-       هل نجلس بمقصف القطار نتناول بعض القهوة ؟

-       لا بأس...

هل صحيح ما يتردد في بيت الشعر ((فما الحب إلا للحبيب الأول))؟ سأل نفسه وهو يرتشف القهوة بينما عيناها تكتبان فيه ذكرى قديمة لفتاة أخرى... حتى ولو لم يكن ما قاله الشاعر صحيحاً إلا أنه أغلق نافذة القلب بإرادته ... كان يستمتع بكونه لن يحب ثانية ...

****

في ساعة معينة من النهار ترتفع أسراب الحمام في الجو بأنواع بعضها ثمين جدا ... العديد من شبان الحي يربون الحمام على أسطحة المنازل ويصنعون لها أقفاصا خاصة واسعة ومرتفعه، بعضها يصل إلى ارتفاع غرفة صغيرة وفوق كل قفص شبكة لاصطياد الطيور الغريبة يسمونها بلهجتهم ((سقلب)) فما ان يحط الطائر الغريب حتى يبادر صاحب الحمام المتربص أسفل القفص بجر حبل مربوط بالشبكة لتهوي سريعة فوق الطائر،وتوجد أعراف خاصة تحكم العلاقة بين أصحاب الحمام والذين يطلق عليهم باللهجة الديرية ((الحممجية)) وهذه الأعراف تقضي بأنه إذا كان هناك اتفاق بينهم بأنهم على صلح فكل طرف يعيد للآخر طائره الذي اصطاده له أما إذا كانوا في حالة خصام وهي حالة يطلقون عليها اسم ((صيد)) فإذا كان الطرفان كذلك فلا يفترض برد الطائر بل يعتبر ملكاً للذي اصطاده،كان على الطيور أن تقف في مساحة محددة لهل ومدربة عليها فوق السطح ومن العار على صاحب الحمام ان تتناثر طيوره كل واحد في اتجاه وإذا حدث وان تكرر وقوف طير في مكان آخر غير المخصص للهبوط فوقه فان صاحبه يسارع الى الإمساك به في المكان الخاطئ ثم يبتر إصبعه في مشهد مأساوي ظناً منه بان الطائر لن يفكر بالعودة إلى هذا المكان من جديد.

ومثل كل النقابات والمؤسسات افتتح أصحاب هواة تربية الحمام مقهى صغيرا لهم أسموه ((مقهى الحممجية)) كانت الكراسي فيها صغيرة وقصيرة القوائم  وكان موقعها مقابل شركة الكهرباء التي في سوق الهال وكان يتم فيها صفقات بيع الحمام ولم يكن يرتادها احد سواهم وأي شخص غريب يدخلها يصبح موضع ريبة... كان المكان يعبق بالدخان الذي يغمر الفضاء الصغير الفوضوي حيث الأصوات ترتفع بصخب .

 للطيور عندهم أسماء وأنواع ويعرفون الأصيل منها من غير الأصيل من شكله ولونه ووقفته وبعض تفاصيل أخرى كأن يكون اللون صافيا او مشوبا بألوان أخرى، والطائر الثمين يكون حظه من الدلال وافرا فطعامه مختلف وزينته تجلجل في قدميه لا بل وقد يضعون له حلقا في عنقه، وهناك من الأنواع ((البايملي والجخجرجلي والمجتف بأنواعه الأحمر والأسود والأزرق، ثم الاورفلي والتكريتي والعنابي)) ... وغيرها من الأسماء التي تصل إلى العشرات.كان بعضهم يهتم بالطيور أكثر من أسرته بل وقد يعامل زوجته بجفاء بينما يكون رقيقا مع الطائر.

 

سيرة مدينة